ابن قيم الجوزية
518
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
ولهذا صرّح كثير من النفاة كالجويني والرازي بأنه لم يقم على نفي النقائص عن اللّه دليل عقلي إلا مستندا لنفي السمع والإجماع ، وحينئذ فيقال لهؤلاء : إن لم يكن في إثبات الحكمة نقص ، لم يجز نفيها ، وإن كانت نقصا ، فأين في السمع أو في الإجماع نفي هذا النقص . وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه والغايات المحمودة في أفعاله ، فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع ، بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم ، واللّه الموفق للصواب . وجماع ذلك أنّ كمال الرب تعالى ، وجلاله وحكمته وعدله ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى ، تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة ولا لغاية مطلوبة ، وجميع أسمائه الحسنى تنفي ذلك ، وتشهد ببطلانه ، وإنما نبّهنا على بعض طرق القرآن ، وإلا فالأدلة التي تضمنها إثبات ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا ، وباللّه التوفيق . فصل وكيف يتوهّم ذو فطرة صحيحة خلاف ذلك ، وهذا الوجود شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتم عناية ، وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف ، أو يحصره عقل . ويكفي الإنسان فكره في نفسه وخلقه وأعضائه ومنافعها ، وقواه وصفاته وهيئاته ، فإنه لو استنفد عمره لم يحط علما بجميع ما تضمنه خلقه من الحكم والمنافع على التفصيل ، والعالم كله علويّة وسفليّة بهذه المثابة ، ولكن لشدة ظهور الحكمة ووضوحها وجد الجاحد السبيل إلى